النّبي أيلا (ع) و بعلبك - منتديات ليب مون - موقع لبناني صور وأخبار لبنان
Loading...
اختر لونك المفضل


قديم 01-06-2015, 06:20 PM   #1
قـمر جـديد
 
الصورة الرمزية حسين أحمد سليم
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: لبنان, بعلبك, النّبي رشادي
المشاركات: 89
افتراضي النّبي أيلا (ع) و بعلبك

النّبي أيلا (ع) و بعلبك
و مقام قديم حارس البقاع اللبناني

بقلم: حسين أحمد سليم

إشتُهر وادي البقاع اللبناني بتاريخه العريق كونه كان مهد الحضارات القديمة التي أتى التّاريخ على ذكرها حيث سادت زمنًا ثمّ بادت بحكم تعاقب الأزمان و الأدوار و الأطوار و الأحقاب و الأكوار...

هذا السّهل الممتدّ على طول مساحة لبنان من أقصى الشّمال حيث يتواصل مع الأراضي السّوريّة إلى أقصى الجنوب حيث يتحادد مع الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة, و محدودًا بسلسلتيّ جبال لبنان الشّرقيّة الفاصلة بينه و بين سوريا من الشّرق و سلسلة جبال لبنان الغربيّة التي تفصله عن شاطيء البحر الأبيض المتوسّط من الغرب و المُسمّى بالبقاع اللبناني...
ما يُميّز هذا السّهل, البقاع اللبناني, عن غيره من نواح كثيرة سيّما النّاحية الرّوحيّة و الدّينيّة أنّه كان منذ البدء ساحة واسعة و مشهود له في حركة فعل تبليغ رسالات السّماء للمكلّفين بها و كان مسرحًا لمعاناة عدد من الرّسل و الأنبياء و من بينهم النّبي أيّوب و النّبي نوح و النّبي إلياس و غيرهم...
و ما يدلّ على وجود هؤلاء الأنبياء و الأولياء و عباد الله الصّالحين و إنتشارهم أو إقامتهم أو مرورهم في هذا السّهل المبارك, وفرة الآثار المختلفة العصور و الأزمنة و كثرة الأضرحة المقدّسة و المقامات للعديد من الأنبياء و المزارات المختلفة للكثير من الأولياء و الصّالحين و عباد الله المختارين... تلك المعالم التي قلّ أن تخلو منها قرية أو بلدة أو مدينة أو قمّة جبل أو تربة في سهل...
الإستدلال على ذلك كثافة المقامات و المزارات لأنبياء و أولياء ورد ذكر بعضهم في القرآن الكريم و الكتب السّماويّة و البعض الآخر ذُكر في الأحاديث و الرّوايات و الأخبار و المنقولات...
بوصلتنا الجغرافيّة الممغنطة الرّأس بالإيمان إختارت وجهة سياحتنا لهذا الأسبوع بلدة بقاعيّة تحمل إسم النّبي الذي باركها و أعطاها إسمه الشّريف, عنيت به النّبي أيلا (ع) الذي يتربّع صرح مقامه المميّز بأعلى تلّة غربي البقاع الأوسط إلى الغرب من بلدة أبلح البقاعيّة و الجنوب من بلدة نيحا و إلى الجنوب من بلدة الفرزل المحازية لكرك نوح, ليرتفع معظّمًا وسط بلدة سُمّيت بإسمه و يشرف من مكانه العالي على مساحات واسعة من سهل البقاع الأوسط و بساتين الأشجار المثمرة المحيطة به و البيوت المنتشرة حوله حبّا و تكريمًا و تبريكا و إطمئنانا في بلدته النّبي أيلا و محيطها...
بلدة النّبي أيلا هي إحدى القرى اللبنانيّة من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.
تبعد بلدة النّبي أيلا 56 كلم (34.7984 ميل) عن بيروت عاصمة لبنان. ترتفع 1050 م (3445.05 قدم - 1148.28 يارد) عن سطح البحر و تمتدّ على مساحة 415 هكتاراً (4.15 كلم²- 1.6019 مي²).
يُطلق عليه البقاعيّون إسم «قاضي الحوائج». هو «نبيّ الله إلياس» أو نبيّ الله أيلا، الذي لا يرد محتاجاً أو طالب صلح أو شفاء من مرض، أو ملهوفاً على غائب...
المكان هذا يرتبط بلجوء النّبي أيلا إلى السّلسلة الغربيّة في العام 850 قبل المسيح، هرباً من الملكة عتاليا زوجة بعل بك التي سُميت بإسمه مدينة بعلبك الحالية، و حين حاصر جيش عتاليا النّبي أيلا، طلب إلى الله أن يرفعه إلى السّماء، فإذا بشهب من نور ينتصب من الأرض إلى السّماء و عربة من نور عليها نبيّ الله أيلا. و عندما إرتفع إلى مسافة معيّنة رمى عباءته، فإلتقطها خليفته نبيّ الله ليشع، و كان مكان صعوده عند أعالي بلدة النّبي أيلا التي سُمّيت تيمّنا بإسمه...
النّبي أيلا هو إلياس بن فنحاص بن أليعيزار بن هارون بن عمران التّشبّي و في العبريّة يقولون إيليّا و معناه " إله يهوى " و بالإغريقيّة إيلياس و بالعربية " إلياس". و هو من بلدة تشته, و هي مدينة طوبيا في سبط نفتالي جنوب القدس و شمال صفد, سكن في مدينة "جلعاد" و تعني الصّلت.
تصدّى للملك السّامري أخاب بن عمري المتزوّج من إيزابيل الصّيدونيّة بنت إينو بعل الفينيقي, بسبب إدخال عبادة البعل إلى مملكة أخاب تحدّى كهنة البعل أمام أخاب و قتل منهم 450 رجلاً...
ذكره الله تعالى بقوله: "و زكريّا و يحيى و عيسى و إلياس كلّ من الصّالحين" كم جاء في سورة الأنعام 85.
و قال تعالى: "و إن إلياس لمن المرسلين, إذ قال لقومه ألا تتقون, أتدعون بعلاً و تذرون أحسن الخالقين, الله ربّكم و رب آبائكم الأوّلين, فكذّبوه فإنّهم لمحضرون, إلاّ عباد الله المخلصين و تركنا عليه في الآخرين" كما جاء في سورة الصّافات 123-129.
غضبت عليه إيزابيل زوجة أخاب فذهب إلى بئر السّبع في فلسطين ثمّ إلى حبوريت, ثمّ إلى الأردن, ثمّ إلى الصّرفند و قام فيها بمعجزة فشفى إبن الأرملة أليسع بن أخطوب وهو خليفته...
و قد أورد المفسّرون أنّ أخاب كان يسكن مدينة بعلبك من بلاد الشّام...
و روي أنّ الرّحّالة النّابلسي زاره, و صلّى في المقام و منه إنتقل إلى مقام النّبي نوح (ع) في بلدة كرك نوح قرب زحلة...
تتراءى للمشاهد الزّائر أنّ موقع بلدة النّبي أيلا (ع) و كأنّه من روائع و جماليات هضبات و تلال البقع الجغرافيّة غربي البقاع الأوسط, و حيث تتربّع البلدة على تلّة تتماهى بمسحات من مشهديات الجمال التي صاغها الخالق في أرحبة البقاع, و حيث يقع مقام النّبي أيلا (ع) لتمتدّ أمام النّاظر مشهديات و لوحات تشكيليّة أبدعتها و خطّتها يد المبدع العظيم كأنّه قُدّت من السّحر وسط أشجار مختلف ألوانها ليرتفع صرح مقام النّبي أيلا (ع) الشّريف شامخًا, تعلوه القبّة الخضراء الزّاهية و المئذنة المرتفعة تشقّ الفضاء و جدرانه الحجريّة الحمراء و أبوابه الأبانوسيّة الضّخمة و تلك البلّورات الزّاهية بأبهى الألوان المزجّجة النّوافذ بها و أرضه المرصوفة ببلاطات من المرمر الأسود و الغرانيت الأحمر...
و شاعت شهرة و صيت مقام النّبي أيلا (ع) منذ حقب تاريخيّة سالفة و على إمتدادات عصور قديمة, بحيث تناقلت مرويات الذّكرة الشّعبيّة و الحكايات المتناقلة و الموروثة كراماته عبر الكبار المعمّرين و المسنّين و الأجيال... و لكثرة ما حدث في حضرة ضريحه الرّمزيّ الإفتراضيّ من كرامات لافتة تُبجّله و تُعزّه, فتعلّق أهالي المنطقة و الجوار به و إزدادوا إيمانًا أكثر بتكليفه السّماويّ كنبيّ هادٍ أرسل لأهل بعلبك في زمن ملك بني إسرائيل آحاب غير المؤمن و زوجته عابدة البعل و الأصنام, فغدا أيلا النّبي (ع) شفيعهم الرّوحيّ و فعل وسيلتهم في عمليّة ممارسة الطّقوس الإيمانيّة و التّقرّب إلى الله...
عبر تعاقب الأيّام و السّنين بنى الأهالي بيوتهم حول المقام و هوت أفئدتهم إليه و تشاغفت عقولهم له, إلى أن اصبحت البيوت و المساكن الحجريّة و التّرابيّة قرية كبيرة تمّ تسميتها فيما بعد بإسم ساكنها الأصلي نبيّ الله أيلا (ع) و تطوّرت البيوت في بلدة النّبي أيلا (ع) مع التّطوّر الحضاري المعماري بحيث كثرت في البلدة القصور و الأبنية العصريّة الطّراز... و قد بُني فوق ضريح النّبي أيلا (ع) الشّريف مقام هو غاية في الجمال الدّاخلي و الخارجي و الهندسة التّصميميّة المعماريّة و الإنشائيّة للصّرح و المئذنة و الرّواق و المدخل و الملحقات، و قد تفنّن مهندسوه و العاملون عليه في عمليّة إتّقانه كي يليق بمكانة صاحبه الذي يتوافد إليه الزّوّار على مختلف عقائدهم و مللهم و من كافّة القرى البقاعيّة و اللبنانيّة فضلا عن الإسلاميّة للزّيارة و التّبرّك و إيفاء النّذور و إقامة الطّقوس و الشّعائر و الصّلوات و الأدعية و التّهجّدات الليليّة إضافة لإحياء المناسبات و إلقاء المحاضرات... و قلّما يمرّ يوم دون أن تجد زوّارا يقدّمون الأضاحي و الذّبائح تقرّبا إلى الله و إيفاء لنذور توسّط في قضائها النّبي أيلا (ع)...
فقد كان شكل المقام قبلالعهد العثماني صورة مصغّرة و طبق الأصل عن كنيسة (آيا صوفيا) في إسطنبول إلى أن أصيببتصدّع كبير في بنائه فقرّر العثمانيّون على أثره هدمه بدل ترميمه لأنّه لم يكن هناكمؤسّسة ترعى الأوقاف...
في السّنوات الأخيرة من القرن الماضي و ضع المهندس بهيج منصورمع أخيه سمير مخطّطاً لإعادة تصميمه و نفّذاه حتّى أصبح كما هو عليه الآن...
تقام في مقام النّبي أيلا (ع) صلاة الجماعة بشكل يوميّ دون إنقطاع, و الدّخول إلى رحاب هذا المقام يُشعر المرء برهبة و خشوع من هيبة صاحب المقام في النّفوس... و هذا النّبي يُعتبر لدى أهالي المنطقة من مسلمين و مسيحيّين قاضيًا عدلاً يفصل في نزاعاتهم و يوصل الحقّ إلى صاحبه و القسم و الحلف و الإيمان في حضرته خطر على المفتري و الكاذب لأنّه سريع العقاب و المحاسبة... لذلك عندما يُطلب التّقاضي عند مقامه, يعترف المقترف بحقوق النّاس... و الحكايات و المرويات والقضايا كثيرة يرويها النّاس في المنطقة بالأسماء و الوقائع...
و هذه سيرة النّبي أيلا كما وردت في الكتاب المقدّس...
عاش النّبي أيلا في النّصف الأوّل من القرن التّاسع قبل ميلاد السّيّد المسيح, تميّز بغيرته على الله ذلك أّنه عندما كان أحاب ملكا على إسرائيل صنع الشّرّ و تزوّج من إيزابل بنت أتبعل ملك الصّيدونيّين و رئيس كهنة البعل. فأمالت قلب أحاب الملك و قلب الشّعب عن عبادة الله فعبدوا البعل و هدموا مذبح الرّبّ و بنى معبدا للبعل في داره. و هنا ظهر النّبي أيلا أو إيليّا ليوبّخ الملك و يطلب منه عبادة الرّبّ إله الجنود, حتّى أنّه تحدّى البعل, و هو إله الخصب و المطر فمنع المطر عن الأرض ثلاث سنين و ستّة أشهر. بعدها ذهب بأمر من الله إلى نهر كريت حيث قال له الله أنّ الغراب سيعوّلك و ستشرب من ماء النّهر. مع العلم أنّ الغراب مصدر شؤم و هو الطّائر الوحيد الذي لا يطعم صغاره حتّى و رغم ذلك كان يحضّر للنّبي إيليّا الخبز صباحا و مساء. و عندما يبس النّهر أمره الله أن يذهب إلى مدينة تدعى صرفة صيدا و تدعى حاليًا (صرفند) حيث هيّأ له الرّبّ الله إمرأه لتعيله. و في مدخل المدينة وجد بالفعل أرملة تجمع عيدان الحطب فطلب منها أن يشرب و عندما ذهبت لتحضر له الماء سألها أن تحضر له كعكة ليأكل فأجابته قائله: ليس عندي غير القليل من الطّحين في الجرّة و قارورة بها قليل من الزّيت سوف أصنع كعكة لي و لأبني و بعدها نموت جوعا. فقال لها النّبي إيليّا: إدخلي و إصنعي كعكة صغيرة لي ثمّ إصنعي الطّعام لك و لأهل بيتك لأنّ الله قال أنّ جرّة الدّقيق لا تفرغ و قارورة الزّيت لا تنقص إلى يوم يرسل الرّبّ مطرًا على و جه الأرض. فصنعت كما قال لها. و كان للأرملة صبيّ فمرض مرضًا عضالا و مات فدخلت على النّبيّ لتقول له: مالي و لك يا رجل الله أجئت تذكّرني بذنوبي و تقتل إبني؟ فأخذ النّبي أيلا ابنها منها و ذهب به الى عليته و دعا الرب ثلاث مرات قائلا : ايها الرب الهي لتعد روح الولد إلى جوفه. فسمع الرّبّ لصلاة النّبي أيلا و هو إلياس فأخذ الولد و سلّمه إلى أمّه قائلا: أنظري إلى إبنك إنّه حيّ. فقالت المرأه: الآن علمت أنّك رجل الله و أنّ كلام الرّبّ في فمك حقّ. و تحنّن الله على شعبه فطلب من إيليّا أن يعود إلى أحاب و عندما تقابلا قال له أحاب: أأنت إيليّا معكّر صفو البلاد؟ فأجابه إيليّا: لم أعكّر أنا صفو البلاد بل أنت و أهل بيتك بترككم وصايا الرّبّ و السّير وراء البعل. ثمّ صعد النّبي إلياس الى جبل الكرمل و صلّى إلى الرّبّ سبع مرّات فطلعت سحابة صغيرة قدر كفّ راحة رجل من البحر و ملأت السّماء و هطل مطر عظيم. و كانت يد الرّبّ مع إيليّا. و لكي يثبّت النّبي إلياس للشّعب و الملك أنّ الله وحده هو الأله الحقيقي, جمع كهنة البعل ال 450 و كهنة عشتاروت ال 400 و بحضور جمهور غفير من الشّعب راهنهم: هم يقرّبون محرقة لألهتهم و هو يقرّب مثلها لألهه. و الأله الذي ينزل نار من السّماء على المحرقة يكون الأله الحقيقي خالق هذا الكون...
بقي كهنة البعل يدعون بإسم إالههم من الصّبح حتّى الظّهر لكن لا مجيب. أخذ النّبي إلياس يسخر منهم و من إلههم و يقول: أصرخوا بصوت أعلى لعلّه في شغل أو في خلوة أو في سفر أو نائم. ثمّ جاء دوره فقام و رمّم مذبح الرّبّ و وضع عليه إثنا عشر حجرا نسبة إلى أسباط إسرائيل الإثني عشر. و رتّب الحطب و وضع المحرقة و طلب من الشّعب إحضار أربع جرّات من الماء و صبّها على المحرقه و رفع يديه إلى السّماء و صلّى بحرارة قائلا: أيّها الرّبّ ليعلم هذا الشّعب أنّك أنت الأله الحقيقي وحدك و أنّي أنا عبدك و بأسمك فعلت هذه الأمور...
فهبطت نار الرّبّ و أكلت المحرقة و الحطب و الحجارة. فلمّا رأى الشّعب هذه المعجزة سقطوا على وجوههم معترفين بأنّ الرّبّ هو الله. عندئذ قال النّبي إلياس للشّعب: إقبضوا على أنبياء بعل و لا يفلت أحد منهم. و مع ذلك ظلّ كهنة البعل على موقفهم الخاطىء. علمت إيزابل بما فعله النّبي إلياس بكهنتها فأقسمت بألهتها قائلة: في مثل هذه السّاعة سأجعل نفس إيليّا كنفس واحد منهم. فقام إيليّا و توجّه جنوبا إلى بئر سبع الواقعة في صحراء النّقب. و هناك ظهر الملاك ليلا و قال له: قم فكل لأن الطّريق بعيدة أمامك. فقام و أكل و سار إلى أن وصل إلى جبل حوريب حيث كان الله عزّ و جلّ قد كلّم موسى و أعطاه الوصايا العشر. و جرت قصّته مع النّبي موسى (ع) و التي وردت في القرآن في سورة الكهف و كان يدعى العبد الصّالح علّمه الله علم الباطن أيّ التّأويل. و بعدها رأى النّبي إلياس الله بقدر ما يستطيع الأنسان أن يراه و قال له: إمضِ و أرجع في طريقك إلى بريّة دمشق. حيث يقول التّقليد المتوارث أنّه لجأ إلى مغارة طبيعيّة و قد رافقه في مسيرته صديقه أليشع بن يوشافاط حيث سكنوا في هذا المكان فترة مجهولة المدة. إلى أن علمت إيزابيل بمكانه فأرسلت جيوشها لمطاردته...
و من هناك هرب النّبي إلياس بطريقة عجائبيّة عبر جبّ رأسي إرتفاعه 15 متر و للأسفل 35 متر. و نشبت حرب بين أحاب و الأراميّين و أصيب أحاب بسهم و هو في مركبته فسال دمه في المركبه فلحست الكلاب دمه كما تنبّأ له النّبي إيليّا. و كانت إيزابيل على شرفه قصرها فصعد إليها الجنود و طرحوها أرضا و داستها الخيل و أكلت الكلاب لحمها و هذا أيضا ما تنبّأ لها به النّبي إيليّا. و ذات يوم إصطحب النّبي إلياس خادمه الأمين أليشع و توجّه إلى نهر الأردن و أخذ رداءه و ضرب الماء فإنفلقت إلى هنا و هناك و سارا على اليابسة. و فيما كانا سائرين و هما يتحدّثان إذ مركبة ناريّة تجرّها خيول ناريّة قد فصلت بينهما و إرتفع إيليّا نحو السّماء و أليشع ينظر أليه. ثمّ لم يعد يراه فرفع أليشع رداء النّبي إلياس الذي سقط منه فحلّت عليه روح الرّبّ و أصبح خليفة النّبي إلياس في النّبؤة...
عيد النّبي إلياس أو إليّا أو أيلا في 20 تمّوز: صلاة للقدّيس مار إلياس: السّلام عليك يا مار إلياس الحيّ. يا نبيّ الله و صاحب الأيمان القويّ و الغيرة الألهيّة و السّيرة الملائكيّة. قد دحضت الزّور و وبّخت صانعي الشّرور و قرنت القوّة المتّقدة بالحبّ المضطّرم. ففتكت بكهنة البعل. و أهطلت الأمطار بعد إنحباسها بصلاتك فنسألك متضرّعين. أن تجعلنا مستظلّين و بسنائك مستنيرين و إذ نلتمس منك المعونة و الشّفاعة. نلتجيء إليك قائلين: نجّنا من الشّدائد و المصائب و الشّرور و من أفخاخ الأعداء المنظورين و غير المنظورين. ردّ عنّا الضّربات و أبعد الأمراض و الأوبئة و القحط و الغلاء و إدفع عنّا وثبات الخيالات الرّديئة و الأفراح الشّريرة. و كن لنا حافظا منجيّا و مساعد في كلّ ساعة من حياتنا و كما قبلت تنهدّات الأرملة و رددت لها إبنها الوحيد من بعد الموت و أحييته. إقبل تضرّعاتنا نحن الملتجئين إليك الآن. و سدّد خطواتنا في سبيل البرّ. لكي نحيا حياة نقيّة مرضيّة لدى الله. و نستحقّ أن نمجّد الله معك و مع سائر القدّيسين في السّماء العليا إلى الأبد...
توفّي الملك آخاب و خلفه إبنه الأكبر أخزيا. و في نهاية السّنة الثّانية من حكمه أصيب بمرض أقعده، فأرسل رسلاً إلى معبد بعل في مدينة عقرون الفلسطينيّة لتستخير نبوءته بخصوص مرضه. فقال الرّبّ لإيليا: قم إصعد إلى رسل ملك السّامرة الذّاهبين إلى عقرون و قل لهم: ألا يوجد في إسرائيل إله لتذهبوا إليه حتّى ذهبتم تسألون بعل عقرون؟ إنّ السّرير الذي صعد عليه أخزيا لا ينزل عنه لأنّه موتاً يموت. و عندما عاد الرّسل بعد أن لقاهم إيليّا و تحدّث معهم و هم لا يعرفوه، سألهم الملك: ما هيئة الرّجل الذي كلّمكم بهذا الكلام؟ فقالوا: إنّه رجل أشعر مُتَمنطق بمنطقة من جلد على حقويه. فقال: هو إيليّا النّبيّ. فأرسل إليه رئيس خمسين مع جنود ليأتي به إليه، و إذا هو جالس على رأس جبل. فقال له: يا رجل الله الملك يقول: انزل. فأجابه إيليا: إذا كنتُ أنا رجل الله فلتنزل نار من السّماء و تأكلك أنت و الذين معك. فنزلت نار من السّماء و أكلته هو و الذين معه. ثمّ عاد الملك فأرسل رئيس خمسين آخر، فحصل لهم الّشيء نفسه. و عندما أرسل إليه الملك رئيس خمسين ثالثاً، صعد إليه و جثا على ركبتيه و تضرّع إليه ألاّ يفعل به كما فعل مع الآخرين. فقال الرّبّ لإيليّا: أنزل معه و لا تخف. فقام و نزل معه و دخل على أخزيا و قال له: من أجل أنّك أرسلت رسلاً لتسأل بعل زبوب إله عقرون، فالسّرير الذي صعدت عليه لا تنزل منه بل موتاً تموت. فمات أخزيا حسب كلام الرّبّ و ملك يهورام أخوه عوضاً عنه كم جاء في سفر الملوك الثاني : 1.
في نهاية حياته التّبشيريّة، قال إيليّا لتلميذه أليشع الذي كان يرافقه: أمكث هنا لأنّ الرّبّ أرسلني إلى نهر الأردن. فقال أليشع: حيّ هو الرّبّ و حيّة هي نفسك، إنّي لا أتركك أبداً. فانطلقا معاً، و عندما وصلا ضفّة النّهر أخذ إيليّا رداءه و لفّه و ضرب به الماء فإنفلق إلى هنا وهناك و عبرا على اليبس. و لمّا عبرا قال إيليّا لأليشع: ماذا أفعل لك قبل أو أؤخذ منك؟ فقال أليشع: ليكن نصيب إثنين من روحك عليّ. فقال: إن رأيتني أؤخذ منك يكون لك كذلك. و فيما هما يسيران و يتكلمان إذا مركبة من نار و خيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السّماء. و كان أليشع يرى و هو يصرخ: يا أبي، يا أبي، و لم يره بعد ذلك. كما جاء في سفر (الملوك الثاني: 2).
إلى هذا فقد حافظت ذاكرة التّقوى الشّعبيّة على شفيعها الزّراعيّ القديم، و الشّخصيّة الماورائيّة الأقرب إلى همومها المعاشيّة. و مع التّحوّل الديموغرافي في بلاد الشّام, حملت الشّرائح الفلاّحيّة معها شفيعها الزّراعيّ وألبسته لبوساً إسلامياً تحت إسم الخَضِر (ع)، على وزن نَضِر، و يعني الأخضر و سيّد الخضرة الزّراعيّة. و قد جرت المطابقة بين هذه الشّخصيّة و شخصيّة العبد الصّالح الذي رافق موسى في رحلته إلى مجمع البحرين، و فاقه علماً و معرفة كما ورد في سورة الكهف: 60-82 رغم أنّ القرآن الكريم لم يذكر إسم ذلك العبد الصّالح.
و لكيّ يمنح الخيال الشّعبيّ لهذا الوليّ الإسلاميّ نعمة الخلود التي تمتّع بها النّبي إلياس، فقد دبّج المؤلّفون الإسلاميّون قصّة مفادها أنّ الخضر قد رافق الملك الجبّار “ذو القرنين” في رحلته للبحث عن نبع الحياة الذي يهب الخلود لمن يشرب منه. و قد جعل ذو القرنين الخضر (ع) على رأس جنوده، و سار حتّى وصل مغرب الشّمس فسأل عن النّبع فقيل له إنّه وراء أرض الظّلمة، فإختار من عسكرة ستّة آلاف و دخل أرض الظّلمة. و بعد مسيرة يوم و ليلة أصاب الخضر (ع) نبع الحياة فشرب منه، و أخطأه ذو القرنين.
و من خلال مجريات الأحداث و الإستقراء لها و تحليلها تظهر في القصص الشّعبيّ الإسلاميّ، الخصائص الإخصابيّة للخضر (ع). فهو الذي يكلّل الأشجار بالخضرة، و ينشر عباءته الخضراء بساط عشب على السّهول و التّلال، و خلال ظهوراته يُشاهد جالساً على طنفسة خضراء. و الفلاّحون في بلادنا كانوا حتّى وقت قريب يستنزلون المطر بالدّعاء إلى الخضر (ع) ويدعونه بالإسم التّبادليّ مار إلياس، عندما ينشدون: “يا سيدي خضر الأخضر إسقي زرعنا الأخضر، يا سيدي مار إلياس إسقي الزّرع اليباس.” و كان يهود فلسطين قبل الإحتلال الصّهيونيّ يدعون إيليّا بإسم الخضر. و في تركيّا العثمانيّة كان الإسم الشّائع للخضر هو خظرلياس، الذي يجمع بين إسم الخضر (ع) و إسم إلياس.
خلال عصر الحروب الصّليبية و الّتبادل الثّقافيّ الذي حصل بين الثّقافة العربيّة و الثّقافة الأوربيّة، ظهرت إلى الوجود شخصيّة بعليّة جديدة تجمع الخضر و مار إلياس إلى نموذج فرنسيّ هو القدّيس جاورجيوس، أو مار جرجس كما يدعى في بلاد الشام. و قد نُسجت لهذا القدّيس سيرة حياة تقول بأنّه كان بطلاً من أبطال الإيمان المسيحيّ، عاش في مدينة اللدّ بفلسطين خلال القرن الثّالث الميلاديّ، و أنّه أنقذ إبنة الملك التي إعتنقت المسيحيّة من تنّين هائل صرعه بحربته. و بهذه الطّريقة تمّ إبتعاث الأسطورة السّوريّة القديمة عن صراع بعل مع التّنّين لوتان و قتله، و تمّ الجمع أيضاً بين القدّيسين الزّراعيّين الثّلاثة، و راح المزارعون السّوريّون يقصدون المقامات المكرّسة لهذه الشّخصيات الثّلاثة على أنّها شخصيّة واحدة. و الإسم جاورجيوس في اليونانية يعني الفلاّح. و هو يدعى في الأقطار الأوربيّة بجورج الأخضر، و ذلك كناية عن علاقته بالزّراعة. و الفلاحون الأوربّيون يحتفلون بعيده في 23 نيسان بإعتباره إحتفالاً بقدوم الربّيع.
و بعد ظهور شخصيّة القدّيس المحارب مار جرجس، عادت شخصيّة الخضر (ع) لتكتسب منه خصائصه القتاليّة مثلما إكتسب منها ومن إلياس الخصائص الزّراعيّة. و الفولكور الّشعبيّ طافح بروايات عن قوّة الخضر (ع) الخارقة. فالمزارعون في بعض أنحاء سورية يدعونه بأبي حربة، و المرويات عن قوّة ذراعه تزخر بالإشارة إلى صخور ضخمة رماها من مسافات شائعة. إحدى هذه الصّخور و هي أسطوانيّة الشّكل منزرعة على الّشاطئ قرب مدينة طرطوس، تقوم النّسوة العاقرات بزيارتها و التّضرّع إلى الوليّ من أجل الإنجاب. و في بيت جالا قرب القدس، هنالك صخرة عليها ما يشبه أثر القدم يقال أنّ الخضر (ع) قفز من فوقها، و يزورها النّاس هناك لطلب الشفاء...







__________________
حسين أحمد سليم
أديب, شاعر وفنّان تشكيلي عربي من بلاد الأرز لبنان
مدينة الشّمس بعلبك, الحدث, النّبي رشادي
آخر مواضيعي

0 يحي علي ياغي
0 قصص الخضر (ع)
0 الحُبُّ أمانّةّ المُؤْتَمَنْ
0 رذاذات ديماويّة
0 رقش

حسين أحمد سليم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ادريانا ليما كويتي_كول صور فنانات لبنان والعالم 8 06-10-2010 09:59 PM
نانسي وابنتها ميلا ستحتفلان بميلادهما ! Honey Girl أخبار فنانات وفنانانين لبنان والعالم 5 05-16-2010 09:29 PM
أحلا مسجات للعيد ..اكتب المسج لوصلك ذات البحر منتدى قمر لبنان العام 24 11-27-2009 11:24 PM
صور نانسي قبل ولادة ’ميلا’ بساعات قليلة Honey Girl صور فنانات لبنان والعالم 2 06-11-2009 11:07 PM
أحلا نكت فلان نكت لبنانية Lebanese Jokes 19 03-07-2009 09:50 PM


الساعة الآن 05:55 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
© جميع الحقوق محفوظة لمنتديات ليب مون قمر لبنان 2016.